الجليد الذي أسقط الإمبراطوريات: كيف أنجب بركان ناءٍ رواية فرانكنشتاين؟
هل يمكن لحدث جيولوجي يقع في جزيرة إندونيسية معزولة أن يجبر سكان نيويورك ولندن على ارتداء معاطف الصوف الثقيلة في منتصف شهر يوليو؟ قد يبدو هذا السيناريو أقرب لأفلام الخيال العلمي، لكنه حدث تاريخي حقيقي شهده كوكب الأرض في عام 1816؛ العام الذي دُوّن في أرشيفات المناخ والتاريخ باسم "العام بلا صيف".
ففي أبريل من عام 1815، تفجر جبل "تامبورا" في إندونيسيا مستعرضاً أعتى ثورة بركانية عرفتها البشرية في آخر ألف عام. ثوران البركان لم يكتفِ بإبادة الجزيرة المحيطة به، بل قذف بمليارات الأطنان من الغبار والرماد البركاني وغاز ثاني أكسيد الكبريت إلى طبقات الجو العليا (الستراتوسفير). تشكلت في السماء درع كيميائية معتمة عملاقة طفت حول الكوكب بأكمله، وحجبت أشعة الشمس لشهور طويلة، ليعاد ضبط مناخ الأرض قسراً، ويدخل العالم في شتاء مستمر غير موازين القوى وغير التاريخ البشري للأبد.
عندما تموت المحاصيل وتسقط الأنظمة
مع حلول الصيف المفترض لعام 1816، استيقظ سكان نصف الكرة الشمالي على رعب حقيقي. لم تأتِ الشمس، وبدلاً من نسيم الصيف، تساقطت الثلوج بكثافة في الولايات المتحدة وكندا خلال شهري يونيو ويوليو، وتجمدت الأنهار في الصيف، واجتاحت أوروبا موجات صقيع غير موسمية وأمطار مستمرة حولت النهار إلى غسق دائم.
المجاعة والاضطراب الاجتماعي
هذا الجنون المناخي ضرب العصب الحساس للحضارة البشرية آنذاك: الزراعة. فسدت المحاصيل تماماً، وتعفنت الحبوب في الحقول بسبب غياب الشمس والبرودة. ونتيجة لذلك، شهد القرن التاسع عشر أسوأ مجاعة في تاريخه؛ حيث ارتفعت أسعار الخبز بشكل جنوني، ومات ملايين البشر إما جوعاً أو بسبب الأوبئة مثل الكوليرا والتيفوس التي تفشت في غياب الدفء.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الجوع؛ بل اندلعت أعمال شغب وثورات جياع عارمة في سويسرا، وفرنسا، وبريطانيا. كانت الأنظمة السياسية والإمبراطوريات، التي ما كادت تلتقط أنفاسها بعد تبعات الحروب النابليونية المدمرة، تتأرجح وتنهار تحت وطأة ضغوط الشارع الجائع. بركان واحد معزول أعاد ترتيب موازين القوى السياسية، وأثبت كيف أن استقرار المجتمعات البشرية معلق بخيط رفيع من درجات الحرارة.
سيكولوجية الظلام: ولادة وحش فرانكنشتاين
لم تكن الآثار العنيفة لهذا البركان مقتصرة على الاقتصاد والسياسة وصراعات العروش فحسب، بل تغلغلت عميقاً لتلامس سيكولوجية الإنسان، وتترك بصمة لا تُمحى في تاريخ الأدب والفن العالمي.
الإبداع وليد الكارثة
بسبب هذا الطقس العاصف والكئيب والظلام الدائم في صيف ذلك العام، حُبست الكاتبة البريطانية الشابة "ماري شيلي" مع زوجها الشاعر بيرسي شيلي والشاعر الشهير اللورد بايرون داخل قصر على ضفاف بحيرة جنيف في سويسرا. عجز الجميع عن الخروج والاستمتاع بالصيف بسبب المطر والبرد المستمر.
ولقتل الملل في ذلك الغسق الكئيب، اقترح اللورد بايرون تحدياً فريداً: أن يخوض كل منهم منافسة لكتابة أفضل قصة رعب. من رحم ذلك الاكتئاب الجوي، وتحت تأثير أجواء البرودة القارسة والغيوم السوداء التي حجبت السماء لشهور، استوحت ماري فكرة وحش يولد من أجزاء ميتة، لتكتب روايتها الأسطورية "فرانكنشتاين"، وفي نفس الليلة وفي ذات الغرفة كتب طبيب بايرون قصة "مصاص الدماء" التي ألهمت لاحقاً شخصية دراكولا. إن الأدب والفن الأكثر سوداوية لم يكن سوى انعكاس نفسي للكوارث الكونية التي ذكرت الإنسان بضآلته وضعفه أمام غضب الطبيعة.
يظل "العام الذي لم يكن فيه صيف" تذكيراً مهيباً بأن هذه الحضارة التي نبنيها ونزهو بها، محكومة تماماً بمزاج هذا الكوكب وبضع درجات مئوية. لقد أعاد غبار بركان تامبورا رسم خريطة الفن، والسياسة، والروح البشرية في بضعة أشهر، ليترك لنا تساؤلاً معلقاً في الأفق: ماذا لو ثار بركان عملاق آخر اليوم في عالمنا شديد الترابط؟ هل سنصمد أم سنكتفي بكتابة وحوش جديدة في ظلام صيف آخر؟

سبحان الله
ردحذفماشاء الله موضوع جميل وملفت
ردحذفطرح رائع ومنشور مميز ورائع
ردحذفماشاءالله
ردحذف