مفارقة الزمن المقلوب: فرضية الانفجار العظيم.
لو تم سكب قطرة من الحبر الأسود في كوب من الماء الصافي، سيشاهد المرء الحبر وهو يتشتت وينتشر حتى يختلط بالماء تماماً. هذا مشهد مألوف ومقنع للعقل البشري. لكن، هل يمكن تخيل العكس؟ هل يمكن للحبر المتشتت في الماء أن يتجمع تلقائياً ليعود قطرة واحدة مجتمعة ويصعد إلى الأعلى؟
في عالم الفيزياء، القوانين الأساسية (مثل قوانين نيوتن للحركة أو معادلات ميكانيكا الكم) هي قوانين "متناظرة زمنياً" (Time-Symmetric). هذا يعني أنه من الناحية الرياضية البحتة، إذا تم عكس اتجاه الزمن في المعادلات (t إلى -t)، فإن القوانين ستعمل كالمعتاد دون أي خلل! إذن، ما الذي يمنع قطرة الحبر من التجمع؟ وما الذي يمنع الزجاج المكسور من التحليق ليعود كأساً سليماً؟
هنا تبرز معضلة من أعظم ألغاز الفيزياء: مفارقة الزمن المقلوب ولغز "سهم الزمن".
القانون الذي يحكم الكون: الأنتروبيا (Entropy)
لكي نفهم لماذا يسير الزمن في اتجاه واحد فقط (من الماضي إلى المستقبل)، يجب الاستعانة بالقانون الثاني للديناميكا الحرارية، والذي يقدم مفهوماً فيزيائياً فخماً يُدعى "الأنتروبيا" (Entropy)، أو مقياس الفوضى والعشوائية في النظام. ينص هذا القانون الصارم على أن:
"الأنتروبيا في أي نظام مغلق ومعزول (مثل كوننا هذا) يجب أن تزداد دائماً بمرور الوقت، ولا يمكن أن تقل تلقائياً."
التفسير العلمي: الميكانيكا الإحصائية
من الناحية الإحصائية (وفقاً لتفسير العالم لودفيج بولتزمان)، هناك ملايين الحالات الفوضوية الممكنة لكي تتبعثر بها الشظايا على الأرض، ولكن هناك حالة واحدة فريدة فقط تجعلها كأساً سليماً. الاحتمالية الرياضية بأن تتحرك مليارات الجزيئات فجأة في نفس اللحظة ونفس الاتجاه لتعيد بناء الكأس هي احتمالية قريبة جداً من الصفر المطلق.
لذا، فإن "سهم الزمن" ما هو إلا سهم لازدياد الفوضى الكونية.
مفارقة الزمن المقلوب: لغز الانفجار العظيم
العمق الحقيقي للمفارقة يكمن في السؤال التالي: إذا كان الكون يتجه نحو الفوضى دائماً، فهذا يعني حتماً أنه في الماضي كان أكثر تنظيماً. وإذا تم الرجوع بالزمن إلى الخلف حتى الوصول إلى نقطة الانفجار العظيم (Big Bang) منذ 13.8 مليار سنة، يجب أن نجد أن الكون بدأ في حالة تنظيم فائقة الدقة (Extremely Low Entropy).
وهنا تكمن المعضلة الفلسفية والفيزيائية الحقيقية: لماذا بدأ الكون في حالة منخفضة الأنتروبيا إلى هذا الحد؟ لو أن الكون بدأ في حالة عشوائية تامة منذ البداية، لما وُلد الزمن كما نعرفه، ولما تشكلت المجرات والنجوم والكواكب، ولما وُجد الإنسان الآن ليطرح هذا السؤال!
الفيزيائي الشهير روجر بنروز قام بحساب احتمالية أن يبدأ الكون بهذه الحالة الفائقة من التنظيم، ووجد أن النسبة هي صدمة رياضيةحقيقية: 1 إلى 10 مرفوعة للقوة10123 .وهو رقم أصغر بمليارات المرات من عدد الذرات في الكون المنظور بأكمله!

تعليقات
إرسال تعليق