ماذا لو أن سكان بومبي اختاروا البقاء؟ اللغز النفسي الذي دفنه الرماد.
في الرابع والعشرين من أغسطس عام 79 ميلادي - أو ربما الرابع والعشرين من أكتوبر وفق أحدث الاكتشافات الأثرية - استيقظت مدينة بومبي الرومانية على يوم عادي تماماً. فتح التجار دكاكينهم، وامتلأت الحمامات العامة بالمرتادين، وجلس الأثرياء في فيلاتهم المطلة على خليج نابولي.
ثم، عند الساعة الواحدة ظهراً تقريباً، انفجر جبل فيزوف.
ارتفعت سحابة من الرماد والغاز تجاوزت عشرين كيلومتراً في السماء. بدأت حجارة الخفاف (اللابيلي) تمطر فوق المدينة. انهارت أسقف تحت ثقلها. ثم جاءت الضربة القاضية: موجة بيروكلاستية (Pyroclastic Surge) - مزيج من الغازات المحترقة والرماد - اجتاحت المدينة بسرعة تجاوزت 160 كيلومتراً في الساعة، وبدرجة حرارة تجاوزت 250 درجة مئوية، كافية لقتل كل شيء في لحظة واحدة.
لكن السؤال الذي يرفض الصمت بعد كل هذه القرون ليس كيف ماتوا، بل: لماذا لم يهربوا؟
الجبل الذي لم يكن بركاناً في أعينهم
قبل أن نحكم على سكان بومبي، يجب أن نفهم كيف كانوا يرون جبل فيزوف. بالنسبة لهم، فيزوف لم يكن بركاناً بالمعنى الذي نعرفه، بل كان جبلاً صديقاً خصيباً تكسوه الغابات الخضراء وتنبثق منه ينابيع الحياة. رغم بعض الانفجارات الصغيرة في السنوات الأخيرة، لم يشهد الجبل انفجاراً بهذه الضخامة منذ قرون طويلة. لم يكن في لغتهم كلمة "بركان" أصلاً - فالكلمة نفسها لم تُستخدم حتى قرون لاحقة.
هذا هو أول دروس علم النفس التي تعلّمها العلماء من رماد بومبي: وهم المألوف. حين يعتاد الإنسان رؤية التهديد بصورة معينة، يفشل في التعرف عليه حين يتشكّل بصورة مختلفة. فيزوف كان يدخن دائماً، وكانت الزلازل الصغيرة جزءاً من الحياة اليومية، فلماذا يختلف اليوم عن أمس؟
الأرقام التي تقلب الصورة
كثيراً ما تصور الروايات الشعبية بومبي على أنها مدينة لم ينجُ منها أحد. لكن الحقيقة الأثرية أكثر تعقيداً بكثير. يُقدّر الباحثون أن 80% من سكان بومبي تمكنوا فعلاً من الفرار خلال الساعات الاثنتي عشرة الأولى من الانفجار. أما الـ2000 شخص الذين وُجدوا ضحايا فكانوا إما مَن اختار البقاء لحماية ممتلكاته، أو مَن كان عاجزاً جسدياً عن الفرار، أو عبيداً لم يملكوا حق الاختيار.
هذا يغير كل شيء في فهم القصة. لم يكن سكان بومبي عاجزين عن الرؤية. كانوا أمام قرار.
لماذا يختار الإنسان البقاء وسط الكارثة؟
أولاً: شلل القرار (Decision Paralysis)
حين تكون الكارثة أكبر من قدرة العقل على استيعابها، يتجمد الإنسان بدلاً من أن يتحرك. عقلنا مُصمَّم للتعامل مع تهديدات مألوفة يعرف كيف يستجيب لها. لكن حين يواجه شيئاً لم يره من قبل - كسماء تمطر حجارة - يدخل في حالة من الشلل المعرفي. كشفت الحفريات الأثرية عن لقطات مجمّدة لآباء يحضنون أبناءهم، وأثرياء ماتوا وهم يمسكون بأثمن ممتلكاتهم
ثانياً: التحيز للتفاؤل (Optimism Bias)
أثبت علم النفس أن الإنسان يميل بشكل فطري للاعتقاد بأن "الكارثة ستصيب غيري لا أنا". هذا التحيز المعرفي الجذري يجعل الناس يقللون من احتمالية تعرضهم شخصياً للأذى، حتى حين تكون التحذيرات صريحة. سكان بومبي رأوا جيرانهم يهربون، لكن كثيرين قالوا لأنفسهم: "سيهدأ الجبل كما هدأ دائماً".
ثالثاً: تكلفة الهروب النفسية
الحفريات أظهرت أثرياء ماتوا وهم يحضنون مجوهراتهم وعملاتهم الذهبية. هؤلاء لم يكونوا جشعين بالمعنى البسيط - كانوا يواجهون معادلة نفسية مؤلمة: الهروب يعني التخلي عن كل ما بنوه طوال حياتهم. الفيلا، والمتجر، والأثاث، والذكريات. وكان عقلهم لا يزال يقول: "ربما يهدأ الجبل".
رابعاً: الاعتماد على الآلهة
اعتمد كثير من سكان بومبي على حماية الآلهة، وظنوا أن الكارثة لن تطال من يكنفهم الإيمان. وُجد بعضهم في المعابد في لحظاتهم الأخيرة، لم يهربوا بل لجأوا إلى ما اعتقدوا أنه حصن أمان.
الصدمة المضاعفة: حين لا يكفي الهروب
والأكثر إيلاماً من القصة هو أن بعض من حاولوا الهروب في اللحظات الأخيرة لم ينجوا. تُثبت الدراسات العلمية أن الموجة البيروكلاستية الحارقة حافظت على درجة حرارة قاتلة تجاوزت 250 درجة مئوية حتى على بُعد عشرة كيلومترات من البركان، كافية لإنهاء الحياة فورياً حتى لمن كانوا داخل المباني. بعض من بقوا في بيوتهم انتهوا بنفس مصير من حاول الهروب متأخراً.
ماذا لو؟
انفجار فيزوف عام 79 ميلادي استمر أكثر من 18 ساعة. كانت هناك ساعات طويلة قبل الضربة القاضية. الذين فروا مبكراً نجوا وأعادوا بناء حياتهم في مدن مجاورة، وفتحوا أعمالاً تجارية وتولوا مناصب في الحكومات المحلية.
لكن كل ثانية تأخير كانت تُضيّق نافذة النجاة. وفي اللحظة التي قرر فيها آخر المترددين الهروب، كانت الموجة قد وصلت.
بومبي لم تمت لأن سكانها لم يروا الخطر. ماتت لأن العقل البشري مُصمَّم لتجنب التفكير في أسوأ الاحتمالات. وهذا التصميم، الذي يحمينا من القلق المستمر في حياتنا العادية، تحوّل في ذلك اليوم إلى حكم بالإعدام.
فضفضة أخيرة
في الحياة اليومية، كم مرة رأينا "دخان الجبل" وقلنا "سيهدأ"؟ كم علاقة تركنا تتآكل بحجة أن الأمور ستتحسن من تلقاء نفسها؟ كم تحذيراً أهملناه لأنه لم يشبه الكوارث التي اعتدنا رؤيتها؟
بومبي ليست مجرد مدينة رومانية مدفونة تحت الرماد. إنها مرآة لطريقة عمل العقل البشري حين يواجه ما لم يتخيله.
السؤال الحقيقي ليس لماذا لم يهرب سكان بومبي. السؤال هو: من الجبل الذي تراه يدخن في حياتك الآن وتتجاهله؟

تعليقات
إرسال تعليق