أكتب لكم والمنبه يطالبني بالنوم: تساؤلاتي الغريبة التي عجزتُ عن إيقافها الليلة
الساعة الآن تخطت منتصف الليل بكثير. عدّلتُ وسادتي للمرة العاشرة، قلبتُ هاتفي على شاشته، أغمضت عيني وحاولت تطبيق كل حيل التنفس والاسترخاء التي أعرفها.. لكن عقلي رفض تماماً أن يستسلم. وبدلاً من أن ينام، قرر أن يفتح "جلسة تحقيق" وجودية لا ترحم.
بعد محاولات عديدة وفاشلة لإيقاف هذا السيل من الأفكار، استسلمتُ أخيراً. نهضتُ، فتحتُ هاتفي، وأكتب لأشارككم تلك التساؤلات الغريبة التي ترفض أن تغادر سقف غرفتي المظلمة، لعلني أجد بينكم من يشاركني نفس الحيرة:
أشياء تدور في رأسي.. ولم أجد لها جواباً:
هل الألوان التي أراها بعيني الآن، كاللون الأزرق الذي أعشقه، هو نفسه تماماً الذي تراه عيونكم؟ أم أن لكلٍ منا عالمه اللوني الخاص ولكننا اتفقنا فقط على الأسماء؟
الحيوانات الأليفة التي تعيش معنا وتحدق في وجوهنا بطمأنينة، ما هي الفكرة التي تملكها عن جنسان البشري وعن كينونتنا؟
كيف سيكون شعورنا لو لم نولد من الأساس؟ كيف يمكن لعقولنا الممتلئة بالتفاصيل أن تستوعب فكرة "العدم المطلق" دون أن تصاب بالدوار؟
عندما نحلم بوجه غريب تماماً لم نلتقه يوماً، من أين يأتي الدماغ برسمة عينيه، ونبرة صوته، وتجاعيد وجهه؟ هل هو شخص حقيقي مررنا به يوماً في زحام الشارع دون أن نلتفت، فقرر عقلنا اللاواعي أن يخزنه لليلة مثل هذه؟ كيف يمكن لعقولنا أن تخترع في المنام قصة كاملة، بحواراتها، وأحداثها، وأشخاصها، ومشاعرها الصادمة، ثم نتفاجأ نحن بها داخل الحلم وكأننا ضيوف شرف لسنا من كتب النص؟
لماذا نمر بتلك الأحلام المزعجة التي يطاردنا فيها أشخاص غرباء أو ملامح مخيفة؟ يقول علماء النفس مثل كارل يونغ إن هذا المطارد هو "الظل"، أي الجزء المخفي والمكبوت من ذواتنا الذي نرفض مواجهته في الواقع.. لكن لو كان هذا المطارد هو أنا في الأصل، فكيف قرر عقلي كيف يكون شكله؟ ومن أين استوحى ملامحه المخيفة ونبرة صوته ليقذف الرعب في قلبي، وهو يعلم تماماً ما الذي يخيفني؟
كيف يحلم الشخص الأعمى -الذي وُلد فاقداً للبصر ولم يرَ النور يوماً- بأشخاص ذوي ملامح وتفاصيل؟ هو لم يرَ عيناً، ولا ابتسامة، ولا تقاسيم وجه طوال حياته، وكل معرفته بالبشر تعتمد على لمس الوجوه ونبرات الأصوات؛ فكيف يترجم عقله في المنام تلك اللمسات الصامتة إلى "ملامح ووجوه" يراها في حلمه؟ ما الذي يتشكل في مخيلته ويراه في منامه بالضبط؟
هذا السرير، الخزانة، اللوحات المعلقة على الجدار.. هل تملك وعياً صامتاً يشعر بوجودنا، أم أننا بالنسبة لها مجرد ظلال عابرة تتحرك في الغرفة ثم تختفي؟
ماذا لو نَطقت الأشياء التي تحيط بنا فجأة؟ ربما سنكتشف أن واقعنا ليس بعيداً عن عالم الجميلة والوحش، حيث لكل كرسي ووسادة رأيٌ خاص وفلسفة في الحياة تنتظر الليل لتبوح بها! في طفولتنا، أبهرتنا الأطباق والجمادات الناطقة في ذلك الفيلم وبدت لنا فكرة ساحرة. لكن الليلة، وأنا أصارع النوم، تبدو الفكرة مرعبة! ماذا لو قررت خزانة ملابسي أن تثرثر الآن، ماذا سيقول هاتفي الذي يرى وجهي في كل الأوقات؟ وبماذا سيبوح قلمي ودفتر ملاحظاتي؟ ماذا سيقول كتابي الذي أقرأ فيه هذه الفترة لو نطق؟ هل سيشتكي من كثرة الصفحات التي أطوي أطرافها لتذكرني بأين توقفت ولا أعود إلا بعد فترة طويلة لأنسى ماقرأت فأضطر لأعيد قراءة الجزء كاملا، أم سيسخر من عادتي في إعادة قراءة نفس السطر ثلاث مرات لأن عقلي شرد في مكان آخر؟
ما الذي سيقوله تيشيرتي المفضل الذي أرتديه أكثر من اللازم؟ وماذا عن تلك النجمة المتلألئة التي أجدها بانتظاري فوق منزل جيراننا كلما نظرتُ من النافذة عند الثانية فجراً، هل تراني كما أراها؟
بل ماذا ستقول ساعة الحائط ذات الإطار البرغندي المعلقة منذ صغري في غرفة معيشتنا؟ تلك الساعة الشاهدة على كل جلسات العائلة، وصخبنا، وضحكاتنا، وتفاصيل كبرنا يوماً بعد يوم.. هل ستشتكي من صخبنا أم أنها ستكشف أسراراً عائلية مضحكة؟
هل يعيش في مكان ما من هذا الكون شخص يشبهني تماماً، يمر بنفس تفاصيلي؟ وماذا يفعل الآن؟ ما هو شكلي الحقيقي في مخيلة من حولي؟ هل أنا الشخص الذي أعرفه عندما أنظر للمرآة، أم أنني عبارة عن مئات النسخ المختلفة، الشائهة أوالجميلة، المتناثرة في عقول الناس؟
إذا عاد بي الزمن إلى الوراء وغيرتُ قراراً واحداً صغيراً اتخذته في لحظة اندفاع، هل كنت سأقف هنا الليلة كأنا؟ أم كان سيحل محلي شخص غريب لا يشبهني في شيء؟
أما بالنسبة لمشاعر الليل والنهار أين تذهب كل هذه الغصات، والندبات، والأسئلة الشاهقة التي تخنقنا في الظلام، بمجرد أن تشرق شمس الصباح ويضج العالم بالحياة؟ كيف يتبخر كل هذا الثقل في ثوانٍ؟
فضفضة أخيرة..
أعلم أن هذه الأسئلة قد تبدو بلا قيمة تحت ضوء النهار وفي زحمة العمل، لكنها في هذه اللحظة بالذات تبدو لي كأهم علامات بشريتنا. ربما لا نحتاج إلى إجابات، ربما نحتاج فقط إلى أن نعرف أننا لسنا وحدنا من نحدق في السقف بحيرة.
الآن، أخبروني ما هو السؤال الغريب الذي زاركم الليلة وما زال يمنعكم من النوم؟
(أما أنا.. فسأحاول النوم مجدداً، على أمل أن يرحمني عقلي حتى الصباح).

تعليقات
إرسال تعليق