ماذا لو استيقظت يوماً لتكتشف أن عائلتك بأكملها مجرد ممثلين؟ متلازمة كابغراس
في ظهيرة يوم شتوي، استيقظت السيدة "ماري" داخل غرفة المستشفى بعد تعرضها لحادث سيارة طفيف. كل مؤشراتها الحيوية كانت ممتازة، وعقلها واعٍ وبكامل قواه العقلية. لكن، في اللحظة التي فُتح فيها الباب ودخل زوجها وأطفالها حاملين الزهور، تحولت الغرفة إلى مسرح رعب.
صرخت ماري بهلع، وانكمشت في زاوية السرير وهي تبكي وتطالب الأمن بطردهم فوراً! وعندما سألها الأطباء عن السبب، قالت بكلمات باردة هزت أركان الطب النفسي:
"هؤلاء ليسوا عائلتي.. إنهم مجرد ممثلين مأجورين يشبهونهم بدقة متناهية. لقد سرقوا وجوه عائلتي، وتم زرعهم هنا لخدعتي ومراقبتي!"
ماري لم تكن تفقد عقلها، ولم تكن تخرف؛ بل كانت ضحية لظاهرة طبية حقيقية مرعبة تُسمى في العلم: "متلازمة كابغراس" (Capgras Delusion) أو وهم الممتثلين.
دهاليز الدماغ: عندما يخونك أقرب المقربين
كيف يمكن لعقل إنسان أن يتآمر عليه بهذه الطريقة؟
في الوضع الطبيعي، عندما تنظر إلى وجه شخص مألوف كالأم أو الأب أو الشريك، يقوم الدماغ بعمليتين متزامنتين في ثانية واحدة:
- التعرف البصري: منطقة في الدماغ تسمى (Fusiform Gyrus) تقرأ ملامح الوجه وتقول لك: "هذا وجه شخص تعرفه".
- الاستجابة العاطفية: ترسل الإشارة فوراً إلى مركز العواطف (Amygdala) ليضخ شعور الألفة، الدفء، والحب المرتبط بهذا الوجه.
في عقل ماري، وفي كل من يصاب بـ "كابغراس" نتيجة صدمة، جلطة، أو خلل عصبي، يحدث شرخ مرعب: المنطقة الأولى تعمل بكفاءة، بينما تنقطع الأسلاك تماماً عن المنطقة الثانية.
يرى المريض الملامح الحقيقية بدقة، لكنه لا يشعر بأي عاطفة تجاهها. ولأن العقل البشري يكره التناقض ولا يتحمل غياب التفسير، فإنه يبني فوراً أغرب فرضية منطقية يبرر بها هذا البرود العاطفي المفاجئ: "بما أنني لا أشعر بالدفء تجاه هذا الوجه المألوف، إذن هذا ليس هو.. إنه شخص آخر يرتدي قناعه!"
سيكولوجيا الشك الوجودي: من هو الحقيقي؟
تخيل حجم الجحيم النفسي الذي يعيشه هؤلاء المرضى. أن تنام في بيتك، لتجد نفسك محاطاً بـ "غرباء" يطبخون لك، يتحدثون معك، وينامون بجانبك، وكلهم ينتحلون شخصيات عائلتك الحقيقية. المأساة هنا أن هؤلاء المرضى غالباً ما يبدأون في البحث عن عائلتهم "الحقيقية" المفقودة، متسائلين في ذعر: أين ذهبوا؟ ومن أخفاهم؟
هذه المتلازمة تفتح في علم النفس باباً مرعباً للتساؤل: هل الأشخاص الذين نحبهم حقيقيون في واقعنا، أم أننا نحب فقط "الشعور الكيميائي" الذي يفرزه دماغنا تجاههم؟ إذا تلاعب الدماغ بأسلاكه لثانية واحدة، فقد يتحول الشخص الذي كنت مستعداً للتضحية بحياتك من أجله، إلى دجال غريب تطالب بطرده من غرفتك.
هل نحن آمنون؟
المرعب في "كابغراس" أنها تبرهن على أن واقعنا بأكمله هش للغاية. نحن نعيش في سجن بناه وعينا؛ وإذا قرر هذا الوعي أن يغير حبكة القصة، فلن تملك أي وسيلة لتكذيبه، لأنك ترى وتسمع التآمر بعينيك المخدوعتين.
في المرة القادمة التي تعود فيها إلى المنزل، وتنظر في وجوه عائلتك الدافئة، خذ نفساً عميقاً واشعر بالامتنان لأن أسلاك دماغك لا زالت متصلة.. فماذا لو استيقظت غداً، ولم تشعر بوجودهم؟

الشعور بالغربة بدأ يظهر رغم معرفتنا الحقيقية بالوجوه حولنا , فكيف بمن كان مريض فعلا, كان الله بعونهم
ردحذف